الرئيسية » منوعات » قبرص وخطف الطائرة المصرية
الطائرة المصرية
الطائرة المصرية

قبرص وخطف الطائرة المصرية

بقلم: شفيق ناظم الغبرا

عندما حطت الطائرة المصرية المخطوفة في مطار لارنكا كنت في المدينة وعلى وشك مغادرة الفندق عائدا للكويت عبر مطار لارنكا، لكن عاملة الفندق أعلمتني بما وقع  قائلة:  ”لقد تم غلق المطار ولن يتم فتحه قبل حل الإشكال“. بعد إنتظار قلق قررت أخذ جوله في المدينة التي تنتشر فيها المقاهي الصغيرة، لكن حيثما وصلت قدماي حول الفندق وجدت تلفزات المقاهي وقد تحولت لمتابعة أخبار الخاطف الذي لا يبدو ككل الخاطفين من شكله و عمره و إعلانه عن حب مفقود من زواج سابق.  لقد حضر الشرق العربي في قبرص عبر قصة خطف بدت غريبة، فراكب مخطوف يتصور سيلفي مع الخاطف، والخاطف يبدو مرنا للغاية بدليل اطلاق سراح الكثير من الرهائن دون مفاوضات جادة.

 

لم يكن الخطف سياسيا، لكن كل حدث في الشرق، حتى لو كان أمطارا في صيف حار، يصعب فصلها عن السياسة. لهذا ارتبط الخطف، وفق المعلقين القبارصة، برغبة العرب في الهجرة للغرب و باجراءات مطارات مصر وسقوط الطائرة الروسية قبل اسابيع، وقبل أن تتضح الصورة أعلنت روسيا بصورة احادية انها لن تعيد الطيران لمصر في المرحلة الراهنة.

 

وبالرغم من كثرة العرب، كحال الخاطف، الذين يسعون للوصول للغرب بأي ثمن، هناك عدد من العرب ممن ولدوا في الغرب يمارسون اليوم هجرة معاكسة لتلك التي عبر عنها الخاطف. هؤلاء الشبان العرب من أحفاد من هاجر للغرب ولأوروبا ولفرنسا وبلجيكا يسعون  للإنضمام لداعش. فطبيعة القضايا التي تنتشر في الشرق في ظل الايديولوجيا الإقصائية الرسمية والشعبية لا يمكن إلا وأن تؤثر علي شبان مسلمين وعرب في كل العالم بما فيها في المجتمعات الغربية.  فنحن نرسل خاطفينا والمهمشين  منا والمنتهكة حقوقهم للغرب كمهاجرين وكطالبي لجوء سياسي، وعندما يفشل الغرب في إستعيابهم ويتحول قطاع منهم لحالة بؤس وتهميش يعودون الينا بعد جيل ليقاتلوا فئات لا يعرفونها.

قررت ان أعود من قبرص بأي طريقة، فبالرغم من إلغاء رحلتي المقررة من مطار لارنكا في ذلك الثلاثاء المخطوف كان يجب ان أعود للقيام بالتزاماتي التدريسية في اليوم التالي في جامعة الكويت، فما كان منى الا وأن إكتشفت طريق اخر يسمح لي بتجاوز عائق المطار المغلق في لارنكا. وجدت قرب نيقوسيا مطار صغير، لكنه يقع في المناطق التركية من قبرص والتي يسكن فيها قرابة ٣٠٠ الف مواطن قبرصي تركي. تلك المنطقة سبق لتركيا ان إحتلتها من خلال إجتياح عسكري في العام ١٩٧٤، لقد أصبحت تلك المناطق دولة مستقلة لا تعترف بها إلا تركيا.  لقد سارت المركبة عابرة للمناطق اليونانية من قبرص حيث عدد سكانها ٧٠٠ الف إلى أن ثم  وصلنا لحاجز كبير( المنطقة الخضراء) يفصل المنطقتين على شكل معبر، لم ننزل من المركبة، ومررنا بسهولة للجانب التركي، أي إلى المناطق التي وقعت حولها حرب والتي تمثل ثلث قبرص.  الكثير من القبارصة الأتراك في المناطق اليونانية التي لم تحتل هجروا من منازلهم( بحدود ٦٠ الف) والعكس صحيح بالنسبة للقبارصة اليونانيين في الجزء المحتل( هجر اكثر من ١٥٠ الف) للمناطق اليونانية من قبرص. في الحالتين مررت بمناطق حدودية يشعر كل طرف فيها أنه خسر حقوقه ومسكنه، فسائق التاكسي القرصي اليوناني أراني في الطريق منزله الذي أخذ منه في المناطق التركية، لكنه إنصافا أراني في الطريق المناطق اليونانية منازل لمسلمين قبارصة أصبحت ملك ليونانيين.

 

في قبرص وجه اخر لانقسام الهوية الذي لازال قائما ليومنا هذا.  لقد تحول خطف الطائرة المصرية على بساطته لتعبير عن عمق المشكلات والمخاوف وإنشطار النفوس الذي يدور في الشرق الأوسط، ومن تابع تعليقات المصريين حول الخطف  وقصة اللجوء السياسي لوجد ذلك الكم الهائل من السخرية التي تحتقن فيها نفوس المواطنين العرب والمصريين من كل ما يحيط بهم.

نقلا عن الوطن القطرية

عن Shafeeq Ghabra

Shafeeq Ghabra
A Professor of Political Science at Kuwait University who believes in DEMOCRACY & HUMAN RIGHTS. The events in the Arab World represent a Second Independence أستاذ العلوم السياسية في جامعة الكويت

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*