الرئيسية » خواطر » “دولة”.. حكمت هانم
"دولة".. حكمت هانم
"دولة".. حكمت هانم

“دولة”.. حكمت هانم

بقلم : إيمان حسنى

تعالت الأصوات التي أطارت النوم من عينيها.

يبدو أن هناك اشتباك عائلي جديد بين ابنيها كعادتهما كل صباح.

“يا فتاح يا عليم، يا رزاق يا كريم”.. قالتها بصوت لا تكاد تسمعه هى نفسها.. عليها أن تقوم إذن، لفض ذلك الاشتباك الذي أصبح شبه يومي، خاصة في تلك الظروف الاستثنائية.

كانت قد قررت أن تعيد تأثيث منزلها.. تطلى حوائطه.. أسقفه.. زجاج نوافذه.. أرضياته.. “من الأخر كده ..”تأسسه من جديد”، فلقد كبر الأبناء الثلاث.. أحمد.. وائل.. وياسمين.. وعليها إعادة تخطيط المنزل والحمام والمطبخ وكل شيء.. كل شيء.. لم يعد البيت القديم بكل أثاثاته صالحاً.. يجب أن يعاد كل شيء من جديد.. وعلى طريقة “انسف حمامك القديم”، بدأت في هدم القديم لتجدد كل شيء فيه.

كان عليها أن تتخذ القرار وحدها؛ فكل من في البيت يجيدون الانتقاد فقط، لكن ليست لديهم لا القدرة ولا الرغبة في اتخاذ القرار، حتى زوجها “راجل البيت” بالمصطلح الدارج الغارق في المفردات المصرية..!

هي المتخذ الفعلي للقرار، فإذا كان صائبا يُنسب للبطل المُعلن.. وإن فشل يصب الجميع جام غضبهم عليها؛ باعتبارها المسئولة عن هذا الفشل.
أيضا، هي المنفذ في ذات الوقت، تلعب كل الأدوار.. هي المؤلف.. وهى المخرج.. وهى كل الممثلين إلا دور البطولة.. فلا تكون فيه إلا “الدوبلير” الذي عليه أن يقوم بكل المشاهد الخطرة الحقيقية، نيابة عن البطل المعلن على أفيشات الفيلم.. لكنه، يبقى دوما في الظل، رغم انه البطل الحقيقي للفيلم.

هكذا، كانت حياة ” حكمت ” التي تتشابه حكايتها مع الملايين من نساء مصر.

نفضت عنها الغطاء لتقوم، بينما ترسم في رأسها الصغير الخطة الزمنية المعتادة لليوم كما اعتادت.. لكن، كان عليها أولاً، وقبل كل شيء أن تفض حالة الاشتباك الصباحية بين الأبناء.

ـ صباح الخير يا ولاد.. فيه إيه على الصبح؟!
ـ أحمد: وائل يا ماما، مُصِر إن العمال يشتغلوا في أوضتى الأول مع إني داخل على امتحانات ومحتاج أركز اليومين دول على ما يخلصوا أوضته هو.
ـ وائل:-يا سلام، انت طول عمرك أنانى.. أنا كمان عندي امتحانات.
ـ احمد: يا ابنى أنا “هندسة” عارف يعنى إيه هندسة..؟! انت بتقارن مذاكرة هندسة بتجارة؟!
هنا، تدخلت ياسمين التي خرجت لتوها من الحمام وهى تجفف وجهها بالمنشفة: مفيش فرق بين كلية وكلية يا أحمد.. يا ريت يا مامي تخلينى آخر واحدة فيهم أنا عندي مشروع في الكلية ولازم يتقدم بعد أسبوعين، ولسة ما عملتش فيه حاجة.
ـ حكمت: إيه رأيكم بقى إن الشغل حايبقى فى التلات أوض مع بعض!
قابلت جملة حكمت الأخيرة، همهمات من أبنائها، كادت تصل إلى مرحلة الصياح، لولا أنها حسمتها فورا.
ـ لو عايزين نختصر الوقت، يبقى لازم الشغل يبقى كله مع بعضه.. ولازم كلكم تستحملوا.. اللي عايز يغير للأحسن لازم هو كمان يتغير للأحسن.. مفيش كلية أهم من كلية يا أحمد، ومشروعِك اللي متأخرة فيه.. ده غلطتك يا ياسمين ولازم تتحمليها.
للمرة الثانية ارتفعت الهمهمات معترضة على قرار حكمت.
ـ وبعدين كلكم شايفين إن البيت لازم يتغير، بتطالبوا بالتغيير ومش عايزين حتى تتحملوا تبِعاته، أمال لو ماكنتوش جيل جديد وانترنت.. وفضائيات وستاليت..؟! لازم تغيروا طريقة تفكيركم قبل ما تغيروا لون الحيطان.

أدرك الأبناء الثلاث أنهم أمام حائط صد قوى.. فهم يدركون جيداً أن حكمت إذا قررت، نفذت ويدركون أيضا أنها لا تتخذ قراراً إلا بعد تفكير طويل وعميق.
انتصفت شمس ذلك اليوم، وقد ذهب أبناؤها الثلاث إلى دراستهم.. وكذلك زوجها “إبراهيم” الذي استيقظ عند الجمل الأخيرة من حوارها مع الأبناء.
لم يعلق، كعادته.. مارس طقوسه اليومية المعتادة، قبل ذهابه إلى العمل.. يكفيه مشاكل العمل، أما مشاكل البيت فيثق تماماً أن حكمت لديها القدرة على التعامل معها.

العمال بدأوا في عملهم.. كل نوافذ البيت وشرفاته مفتوحة.. الشمس فاضت بأشعتها على كل حجرات البيت.. وكأنها تحتفل مع حكمت، بذلك التغيير الجديد وتبشرها بأن القادم أفضل.

عند عصر ذلك اليوم، كانت جميع غرف البيت قد بدأ العمل بها جميعاً بعد أن أخلت كل ما فيها وتجمعت كل أغراض المنزل في حجرة الاستقبال الكبيرة.. وبرغم أن حكمت هي التي اتخذت هذا القرار الذي لم ينل رضاء الأبناء ولا الزوج بصمته المعهود، إلا أن ذلك المنظر قد أصاب أعصابها بالتوتر.. فكل شيء.. كل شيء في المنزل، أصبح مكدساً في مكان واحد.. الأسرة.. الدواليب.. حاجيات المطبخ.. كل شيء.

ـ “دربكة.. كل شيء فوق بعضه”.. هكذا، قالت لنفسها بصوت تلقفته أذناها جيداً.. ولولا جرس التليفون الذي يرن بإلحاح كانت قد تمادت في ذلك الحديث الذاتي متهمة نفسها بالجنون!!
ـ إزيك يا حكمت؟ وإزى جوزك وولادك؟؟
ـ أهلا يا ماما “دولت” الحمد لله بخير.. إزيك انت وإزى صحتك؟؟
ـ الحمد لله يا بنتي.. صوتك مش حلو يا حكمت.. فيكى ايه يا بنتي؟! طمنينى عليكى.

كانت ماما “دولت”، كما تناديها العائلة، بمثابة العقل الحكيم.. خبرة الزمن.. عاصرت ثلاثة أجيال متلاحقة وها هي تعاصر جيل الألفية الثالثة.. عاشت الجيل الأسبق بكل عراقته وطبقيته.. والجيل الأسبق بكل صولاته وجولاته وأيضا إخفاقاته والسابق بكل انفتاحاته وفتوحاته ومفاسده.
ـ أبدا يا ماما بأغيّر البيت كله، وباعيده من أول وجديد.. ما تتصوريش العبء اللي علىّ.. كل واحد في البيت عايز يغير أوضته وفى نفس الوقت معترضين على كل حاجة.. تعبانة قوى يا أمى في تحقيق طلباتهم وبرضه مش عاجبهم.
ـ بصى يا حكمت.. التغيير يا بنتي مش حاجة سهلة.. يتكلموا عنه كويس قوى، إنما ينفذوا لأ.. يقولوا عايزين وعايزين وعايزين، إنما ساعة التنفيذ، كل واحد يضرب لخمة وعايزك تعملى اللى هو طالبه، بعصاية سحرية وبينسوا إن التغيير ده عايز وقت وفلوس ومجهود.. لازم تشرِكيهم معاكى في كل كبيرة وصغيرة.. لازم يعرفوا انت بتصرفى ايه وليه؟.. لازم يحسوا بالمجهود بتاعك وتعبك.. انت كمان لازم تتغيري.. علميهم إزاى يشاركوكى..؟ يساعدوكى فى المسؤولية همّا وأبوهم.

سرحت حكمت فى كلام “ماما دولت”..
ـ عندك حق يا ماما.. بس تنفيذ الكلام ده صعب قوى …خصوصا بعد السنين دي كلها، مش حايتقبلوا ده بسهولة.
ـ مفيش حاجة صعبة يا بنتى والبنى آدم ربنا كرمه بعقله.. والعقل ده يخليه يغير عاداته.. والدنيا بتتغير.. لازم احنا كمان نتغير.

وضعت حكمت سماعة التليفون، وهى تفكر في كل كلمة قالتها “ماما دولت”.. عندها حق.. الست مننا تدبر في مصروف البيت وتلبس طاقية ده لده.. يعنى وزيرة مالية.. وتجدد البيت.. وتعمره.. كوزيرة تنمية.. لو فيه حاجة باظت تصلحها، وإن ما عرفتش، فوراً تجيب سباك ولاّ كهربائى، المهم تصلّح أي بوظان وتعدل كل مايل.. وفوق كل ده هىّ اللى بتاخد كل القرارات.. مش بطولة ولا عنترية، لأ عشان الكل بيعتمد عليها، يعنى باختصار “رئيسة وزرا”.. ياااااااااااااه.. دى الست المصرية على كدة حكومة لوحدها!!

انتابتها لحظة فخر وثقة، لحظة ترديدها لهذه الكلمات فى نفسها.. وأصدرت فى مساء ذلك اليوم، قرارات حاسمة أثناء العشاء لشعبها الصغير.. الأبناء الثلاث وإبراهيم زوجها.
1 ـ الشغل في البيت بالتوازي.. يعنى العمال حايشتغلوا كلهم في وقت واحد، كل واحد في مكان.
2 ـ كل واحد يشرف ويراقب العامل اللي في أوضته.. ويشوف بنفسه إيه اللي اتعمل صح وإيه اللي ما اتعملش كويس، عشان ما نرجعشى نعيد من الأول.. مفيش وقت.
3 ـ اللي ليه طلبات خاصة فى أوضته، ينزل يشتريها بنفسه في حدود المعقول والمتاح.. وطلبات البيت بالدور، كل واحد فينا ينزل يجيبها أسبوع.
4 ـ كل واحد يضغط مصروفه بنفسه وإلاّ أنا اللي حاوفّر من مصروفه.. عشان نقدر نعمل بيت كويس يكون مريح لينا كلنا.
5 ـ اللي معترض على القرارات دي، يقول لى الحل البديل أو يتولى هو المسؤولية كلها ويريحنى.. قلتم ايه..؟!
كلهم متأففون.. كلهم متذمرون من قررات حكمت.. كلهم معترضون.. لكن، أيضا لا أحد منهم لديه الجرأة على إعلان اعتراضه.. ولا تحمل المسؤولية كلها.. لا حل لديهم.. إذن فليتقبل كل منهم المسؤولية الجزئية.. ويذعن لقرارات “دولة” حكمت هانــــم.

عن إيمان حســـنى

إيمان حســـنى
كاتبة مصرية

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*