الرئيسية » السياسة » تركيا بعد الإنقلاب: قراءة ميدانية
اردوغان
اردوغان

تركيا بعد الإنقلاب: قراءة ميدانية

بقلم: شفيق ناظم الغبرا 

أخذني الإهتمام بما وقع في تركيا لمدينة إسطنبول، قضيت فيها أيام مع من يعرفون المدينة ومثقفيها. إذ تعيش تركيا صدمة الإنقلاب اللذي كاد أن يعيدها للحكم العسكري، ففكرة أن الرئيس المدني المنتخب ديمقراطيا بتنافس حزبي شفاف كان على وشك أن يقتل في إنقلاب دموي تقلق الأتراك.  كان نجاح الإنقلاب سيفرض على تركيا التخلي عن مصالحها بعد أن خطت سياسة مستقلة تجاه الغرب وأوروبا نتجت عن مأزق سابق لبروز أردوغان والعدالة والتنمية. لقد إكتشفت تركيا منذ زمن طويل أنها مهما سعت نحو أوروبا ستبقى جزء من كتلة إنسانية إسلامية كبيرة لا يقبلها الغرب الأوروبي. ويعي الأتراك بأن التقسيم في الإقليم وإستمرار الحروب سيفتح الباب لاثارة قضايا في بنيانها ووحدتها كالقضية الكردية الشائكة.  ويعلمون بنفس الوقت بأن مراكز القوة العالمية ليست مكترثة لوضع المنطقة بدليل ما حدث لسوريا والعراق.

ومن أجل ضمان المستقبل يعمل الأتراك بحزم على إنهاء الدولة العميقة التي يمكن التحكم بها من الخارج وذلك لصالح التيارات المنتخبة شعبيا والتي تمثل الأغلبية المطلقة. ففي السنوات القليلة الماضية كانت السياسة التركية التي يمارسها الجيش متصادمة مع الحكومة.  وجود فئات أقلوية ضمن الدولة غير منتخبة ولا تملك برنامجا علنيا ولا تساءل ( حركة غولان والجيش) ولا تخضع للسياسات التي يقررها التحالف الحكومي المنتخب و تسيطر في الجيش والقضاء والبيروقراطية وتسعى للإنقضاض على الحكم دون الاشتراك في اللعبة السياسية هو جوهر الصراع التركي الحالي. معارضوا أردوغان من الكماليين والجمهوريين والقوميين أيدوا إجراءات اردوغان الاخيرة. كما قال لي احد المحللين: ” نعمل ليل نهار في حملة انتخابية وبرنامج يصوت عليه الشعب، ثم يأتي جنرال وغولاني على دبابة وبلا أدنى حملة تجاه الشعب ليقفز على السلطة ويأخذها أينما يريد. لن نمسح لهذا. “

رغم كل شيئ، لم تتحول تركيا لدولة بوليسية كما في العالم العربي. رغم إغلاق قنوات غولان وصحفه ومؤسساته وجامعاته والتحقيقات المستمرة الا ان الصوت المعارض لكل التيارات الأساسية المشاركة في الحياة السياسية وتلفزاتها وصحفها ومواقعها بالإضافة لفصل السلطات تسمح بالتوازن. فالمعارضة تنتقد أردوغان كما تنتقد الحزب الحاكم، لكنها بنفس الوقت تتضامن معه في مواجهة الدولة العميقة.  هذا الوضع دفع لاطلاق سراح الكثير من الموجات الاولى من المعتقلين.

لقد غير الانقلاب تركيا وهذا يفسر عمليتها العسكرية في سوريا.  انها في الطريق لتصفية داعش في مناطق الشمال و لإحتواء القوة الكردية المسماة ”قوات سوريا الديمقراطية“ المؤلفة من مجموعات كردية وبعضها عربية والمدعومة أمريكيا والتي لها علاقات أيضا مع نظام الاسد. تركيا في الطريق الشاق لبناء منطقة عازلة داعمة للمعارضة السورية المستقلة المتواجهة مع النظام كأحرار الشام والجيش الحر وغيرهم. لقد جاء الهجوم التركي بعد حسم تبعية الجيش للسياسيين،  لكنه بنفس الوقت فاجئ الولايات المتحدة، خاصة وان تركيا دولة ناتو وهي الان تقاتل قوات تدعمها الولايات المتحدة. الواضح للأتراك ان الولايات المتحدة لا تكترث لنتائج دعمها لقوات سوريا الديمقراطية على تركيا والقضية السورية برمتها.   تركيا سائرة باتجاه حلب، وقد شكل التفاهم مع روسيا فرصة لتحيدها النسبي. لقد أصبحت الان تركيا الأكثر إستقلالية عن الغرب والشرق في قلب الحرب السورية.

 

الأتراك من مدارس مختلفة يحملون هما تركيا. بعض الصحافيات المعروفات بتحررهن الفكري كن في طليعة التجمعات ضد الانقلاب. وفق أحداهن: ”اردوغان لم يعد رئيسا ينتمي للإسلاميين و لحزب العدالة والتنمية بل ينتمي للامة التركية وتاريخها وحضارتها“. لقد دفع الإنقلاب بمجموعات هامة من الرأي العام التركي ممن تمثل كتل كبيرة معلمنة وتمارس نسبة قليلة من فروض الاسلام والتي تعرف بنقدها لسياسات أردوغان لأن تلتف حوله بصفته الأقدر على حماية مصالح  تركيا ومواجهة مسؤوليات في الاقليم العربي المفتت. تركيا ستقلع أشواكها بيدها، لكنها ستحافظ بنفس الوقت على توازنات ديمقراطية تعزز تضامنها الداخلي وإرتقاء تجربتها السياسية الشعبية.  وهذا جديد ما بعد الإنقلاب.

نقلا عن الوطن القطرية

عن Shafeeq Ghabra

Shafeeq Ghabra
A Professor of Political Science at Kuwait University who believes in DEMOCRACY & HUMAN RIGHTS. The events in the Arab World represent a Second Independence أستاذ العلوم السياسية في جامعة الكويت

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*