الرئيسية » السياسة » المشهد من بعيد
الجيش العراقي
الجيش العراقي

المشهد من بعيد

بقلم: شاهو القرةداغي /كاتب من كردستان العراق

من المؤكد أن الأمة التي لا تعرف ماضيها لن تحسن صياغة مستقبلها ، و الأمة التي لا تتذكر أخطاءها من الطبيعي أنها ستكررها ، و الأمة التي لاتعرف أسباب سقوطها سوف تستمر في السقوط و تستمر اّلامها و الكوارث الذي ستحل بها حتى تستفيق من سباتها العميق.

قديما قالوا : مصائب قوم عند قوم فوائد ، و عندما تنظر الى اوضاع الأمة الإسلامية وخاصة في العصر الحديث ترى أنها كانت دائماً مسرحا للمصائب و الويلات و الحروب و النزاعات التي حرقت الأخضر و اليابس و تسببت في نشر التخلف و الفوضى و الجهل في المنطقة ، حتى أصبح المنطقة معروفاً عالمياً بأنها من اسوأ مناطق العالم من حيث الأمن و التعليم و المتطلبات الأساسية للحياة والحريات و الحقوق والحاجيات، و عندما ندقق في هذه الصراعات و الحروب المستمرة نرى أن القسم الأكبر منها تم إفتعالها و إشعالها عن طريق أيادي خارجية ومكائد دولية ليكون المنطقة مسرحا للحروب بالوكالة ليتم تدمير الدول و الأوطان ومن ثم بناءها من جديد على حساب ثروات و خيرات شعوب المنطقة.

عندما تقرأ عن الحرب الإيرانية العراقية التي نشبت بين البلدين سنة 1980 حتى 1988 و كان أطول نزاع عسكري في القرن العشرين و واحدة من أكثر النزاعات العسكرية دموية حيث خلفت نحو مليون قتيل من الجانبين و الاف الجرحى و خسائر مالية بلغت 400 مليار دولار أمريكي و أدت إلى تدمير البنية التحتية للدولتين و خلق الحقد و الكراهية بين الشعبين و في النهاية خرج الطرفان من الحرب خاسرين دون أن يسجل أحدهما إنتصارا يحسب له على الأخر.

صحيح أن العراق كان سبباً في إشعال الحرب ولكن بعد سنتين كان العراق مستعدا لوقف الحرب ولكن إيران وقتها كانت مصرة على الإستمرار في هذا الحرب، ولكن إذا نظرنا إلى المشهد من بعيد نرى أنه كان هناك العديد من الدول التي تقف وراءها شركات ضخمة كانت تسعى للحيلولة دون الوصول الى اتفاق لإيقاف الحرب، وكانت تسعى دائماً لإستمرار الحرب و القتل و التدمير لأنه كلما زاد استعمال الأسلحة من قبل الطرفين يزيد أرباح هذه الدول و الشركات و بالتالي ليس من مصلحتهم إيقاف الحرب، وكلما كان التدمير واسعا كان من مصلحة شركات البناء التابعة لهم لأن الربح سيزداد أيضا.

كانت الولايات المتحدة الأمريكية و الصين و ألمانيا و فرنسا و الاتحاد السوفيتي السابق و إسرائيل و كوريا الشمالية تقدمان تبيعان السلاح للطرفين و بالتالي كانوا يربحون و يزيد حساباتهم البنكية كلما يزيد إستخدام الأسلحة في هذا الحرب.

وكان كل طرف من أطراف الحرب يسعى جاهدا لإثبات أن دولته على الحق و الأخر على الباطل دون أن يدركوا حقيقة الأمر و ينظروا الى المشهد من بعيد ليجدوا أن بلدانهم أصبحت في حرب بالوكالة المستفيد الأول فيها الخارج و الخاسر الأكبر الشعوب و الأوطان بسبب حماقات وغباء القيادات وعدم إمتلاكها لرؤية استراتيجية حول الأحداث.

 

عندما تسمع عن شحنة من الأسلحة الروسية تصل الى الحوثيين في اليمن فمن المؤكد أن هُناك شحنة أمريكية ستصل إلى الطرف الأخر سواء كان بطريق مباشر أو غير مباشر ، ما يهم الدول العظمى في العالم أن تنظف ترسانتها من الأسلحة القديمة عن طريق بيعها لأطراف النزاع من الدول المتخلفة و التنظيمات و الجماعات المسلحة بأسعار عالية ليربحوا المليارات من خلالها ،وفي سبيل تسهيل هذه الصفقات يقومون بإشعال النزاعات و الحروب بكل الوسائل أو خلق أعداء وهميين ، لأنه من المؤكد أنهم لن يلقوا من يشتري منهم السلاح إذا لم يكن هُناك بعبع يتم إستخدامه لتخويف الدول و الحكومات كما فعلوا في زمن النظام العراقي السابق عندما قام الإعلام العالمي بتحويل النظام العراقي الى وحش كاسر فقط لتخويف حكومات المنطقة و جعلها تعقد صفقات بمليارات الدولارات مع الولايات المتحدة لحماية نفسها من هذا الخطر الوهمي! و اليوم أصبح البديل إيران التي يتم تضخيمها و السماح لها بالدخول إلى بلدان المنطقة لتخويف الدول المجاورة و جعلها تعقد صفقات السلاح الضخمة.

السلاح يأتي منهم وفي المقابل الضحايا من شعوب المنطقة سواءاً كانوا مسلمين أو مسيحيين أو من المذهب الشيعي أو السني وكلما زادت الطوائف و الفرق و المذاهب و الجماعات في المنطقة زادت فرص إشعال الفتن و الصراعات بينها ، وبعد ما يحصل التدمير و يذهب الالاف من الضحايا يرسلون شركات إعادة الإعمار التابعة لهم ليقوموا بإعمار ما تم تدميره بأسلحتهم بأسعار غالية ليربحوا من ذلك أيضا وهذا يستمر المشهد في كل الأزمنة .

صحيح أن هذا الإستغلال و التلاعب بمصير شعوب المنطقة ليست مقتصرة على الدول الإسلامية ، لأننا نرى أن المشهد يتكرر في أوكرانيا، عندما يقوم الروس بإرسال السلاح للإنفصاليين التابعين لهم ، وفي المقابل تقوم الولايات المتحدة بإرسال السلاح و المساعدات العسكرية للحكومة الأوكرانية ، و عندما يشتعل أوكرانيا يخسر الأطراف في الداخل و يربح أطراف الخارج و يعتبرونها صفقة مربحة لهم.

ولكن المؤسف أن يقع المسلمون دائما في هذه الألاعيب و يكونوا ضحية لمؤامرات كبرى ، وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين” ولكننا في الواقع نرى أن المسلمون يقعون في نفس الأخطاء لمرات عديدة دون أخذ العبرة من أخطاءهم السابقة و التعلم منها وهذا ما يجعل إرتكاب الأخطاء أمرا طبيعيا بالنسبة لهم .

علينا ان نستيقظ و نصحوا من سباتنا لكي لانكون وقودا لمشاريع غيرنا.

عن شاهو القرةداغي

شاهو القرةداغي
كاتب من كردستان العراق~ طالب في كلية القانون، كتاباتي في خدمة أمتي ،{ إِنَّ هَذِهِ أُمَّتكُمْ أُمَّة وَاحِدَة وَأَنَا رَبّكُمْ فَاعْبُدُونِ }

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*