الرئيسية » ترفية » تواضع ..عظماء الادب في الجزائر : جمال غلاب
جمال غلاب
جمال غلاب

تواضع ..عظماء الادب في الجزائر : جمال غلاب

الكاتبة: راضية أدهم

 

ارتئيت من خلال القراءة الابداعية للكاتب و الاعلامي الجزائري جمال غلاب و الذي اختار نص روائي الموسوم بـ وصية المعتوه لكاتبه اسماعيل يبرير و حائز على جائزة الطيب صالح العالمية للإبداع الكتابي ( 2013م). ان أبرز حكاية عشق فني ارتمت بين احضان جيلين من المبدعين حيث استطاع جمال غلاب ان يكسر فكرة نفور الجيل القديم من نصوص ادبية لشباب المبدع كما أراد ازالة فكرة الاحتكار الثقافي وبقاءه بيد دخلاء الكتابة كما اراد ان يبسط يداه لكل شاب مبدع مهما اختلفت توجهاته الادبية سواءا في الشعر او الرواية و يأخذ بيده لبر الامان فشكرا سيدي و استاذي جمال ادماك الله لنا و لكل مبدع جزائري و عربي.

 

قراءة النص الروائي لاستاذ جمال غلاب

كاتب يسكنه الخوف من الداخل ؟

صدر عن دار النشر ميم نصا روائيا , معنون بــ وصية المعتوه ـ . و من خلال التنويه , على الغلاف كتبت عبارة جائزة الطيب صالح العالمية للإبداع الكتابي ( 2013م) . وما يفهم من هذا التنويه . أن هذا النص الروائي حاز على جائزة الطيب صالح العالمية . و أمام هذا التتويج لا املك سوى تهنيئة الكاتب اسماعيل يبرير بانجازه و تمنياتي له بالمزيد من الفتوحات الابداعية .

 

و بعد قراءتي للنص الروائي , من أول سطر الى آخر كلمة منه.. اتضحى لي أن الكاتب يحوز زادا لغويا لا يستهان به , و أيضا يمتلك أداءا جيدا في الوصف … و أعتقد انه متى اكتفينا بهذين العنصرين في السرد .فإن واقع حال الرواية يقول و بصريح العبارة : أنه لا يمكننا كتابة رواية بالمفهوم الكلاسيكي و الحداثي ..اعتمادا على هذين العنصرين و فقط ؟إ و اضافة الى ما سلف ذكره ؟إ.. و على الرغم من أن الكاتب يكتنز طاقات ابداعية في عمقه , و مع ذلك لم يحاول تفجيرها .. و الصحيح ومن خلال تدقيقي في فصول نصه الروائي لم يتوان في تعمد فرض الرقابة الذاتية من البداية على عدسة قلمه لقد تحسسته مطحونا و مسحوقا بما تمليه عليه تعاليم العادات و التقاليد مثل ما يقول اندري جيد ( يسكنه الخوف من الداخل ) ففي أكثر من مشهد من مشاهد فصول النص الروائي وجدته يطل و فجأة يختفي حياءا و خجلا ؟ وهو ما ترتب عنه اهمال الكثير من الجوانب الفلسفية و الجمالية في الحيزات الزمانية و المكانية للنص الروائي ؟إ ..

 

و من المتعارف أنه من متطلبات الكتابة الروائية , هو احداث اختراقات في كل ما هو في دائرة الطابوهات ؟إ و الغرض من كل هذا هو تسليط الضؤ على الواقع بكل اجابياته و سلبياته قصد المعالجة أو اقتراح حلول لإزالة الكثير من العوائق ؟إ .. و هذا لا يتأت الا عبر اعادة صياغة اسئلة جديدة لها علاقة بالمنظور الفلسفي وهنا لا يطلب من الروائي أن يكون فيلسوفا و انما المطلوب منه اعادة قراءة الواقع قراءة فنية للتفريق بين الصواب و الخطأ.

 

و الأكيد من يعرف تطور الحركية الاجتماعية لمدينة الجلفة .. تتأكد له حقيقة في غاية الأهمية أن مدينة الجلفة أكبر بكثير ما جاء به الكاتب في نصه الروائي ؟إ .. و لذلك لا يمكن وبأي حال ومن الأحوال اختصار مدينة الجلفة في حي ديار الشمس و مقابر ( اليهود و المسحيين و المسلمين ) مدينة الجلفة التي عرفت الكثير من الهجرات مكونة نسيجا اجتماعيا متعدد الثقافات كانت على الدوام مغامرة , و جريئة في ارتقائها الى العصرنة و التحضر و السر في ذلك هو تفتحها على الآخر و بمعنى أدق و أوضح مدينة الجلفة على الدوام حاضنة حتى لراجميها و المتنكرين لها ؟ … و مثل هذا الانفتاح و تقبل الآخر عرفت نهضة مطردة في بنائها الاجتماعي و العمراني , و ما ترشح من حركيتها .. أنها تجاوزت الكثير من المدن المجاورة لها و الأكثر منها عراقة .. مدينة الأغواط مثلا ؟ لأن مدينة الجلفة و الى عهد قريب لم تكن شيئا يذكر ؟ سكانها من البدو و الرحل و تبعا لكرمهم و انفتاحهم بسرعة البرق استطاعوا بناء نسيج اجتماعي مكويناته من يهود و مسحيين والمسلمين و كم تمنيت من الكاتب لو اشتغل في هذا المنحى عوض الاكتفاء بالحديث عن قبورهم ؟إ وربما الحسنة الوحيدة التي تحسب للكاتب وفي سياق حديثه عن المقابر هو طرحه لسؤال : مادامت المقابر الثلاث متعايشة و متجاورة فيما بينها فلماذا لا تتعايش الاديان الثلاثة عن طريق الحوار ؟إ .

 

و الحق أنه اثناء تجوالي بين عناصر السرد استوقفني عنصر الشخوص المشكل من ( صالح بطاطا و الملك الحزين و السعدي و بوريقيبة و فاطمة …) . هؤلاء الشخوص لم يمنح لهم الكاتب حرية التعبير لمعرفة مستواياتهم في مجالات التصور و الرؤى لتحديد معالم احلامهم و طموحاتهم .. ؟إ . و لا ادري لماذا حمل الكاتب نفسه ما لا يطيق ؟إ … كتحوله ناطقا رسميا على لسان شخوصه في فرض عليهم كيفية التفكير و الحديث ؟ . و مثل هذا التدخل السافر من الكاتب قضى قضاءا مبرما على عنصر الحوار للشخوص ؟إ ..

 

و دائما في فرضيات البناء الروائي .. ما استوقفني هو واقع المرأة الجلفاوية الذي جرده الكاتب من كل جماليات الابداع ؟إ … مع العلم أن المرأة الجلفاوية تجيد الغناء والرقص النايلين .. و تحفظ الأمثال و الأشعار و تجيد فن الحديث و فنون الطبخ وساحرة وجذابة بأناقتها ؟ … و كل هذه المشاهد لخصها الكاتب في عمته المتلحفة بملحفة ( بوعين) .. و قدمها للمتلقي متخلفة و جامدة ومتحجرة ؟إ و حتى عند وصفها بقوله ( و هي متلحفة ( بعين واحدة ) لا يمكنها الا رؤية أنصاف الأشياء … معتبرا مثل هذا الفعل مذمة لها ؟إ … و الصحيح وهذا استنادا الى محللة نفسانية بلجكية زارت مدينة الأغواط أن المرأة المتلحفة ( بي بوعينة ) أكثر دقة من الرجل لأنها تستطيع التركيز في نظرها و مشاهدتها بعين واحدة و يمكنها الاحاطة بكل الأشياء ؟إ .

وغاب ايضا عنصر الخيال من النص الروائي و هنا و للأمانة الابداعية الكاتب لم يجتهد في تقديم الزخم الثقافي لمدينة الجلفة مثل التراث المادي و التراث غير المادي ؟ و هنا لابد من الاشارة الى اللوحات التي رسمها الكاتب و قد تمثلت في المدرسة و الشجار الذي عادة ما يحدث بين الاطفال ,و بيعه لنبق و البلوط …الخ و الحق ثانيا أن مدينة الجلفة بها أسواق اسبوعية و مهرجانات و اعراس و فنتازيا … أمام كل هذه المشاهد الراقية لا ادري لماذا الكاتب غفل على رسمها و عرضها في نصه الروائي ؟إ …. ربما المشهد الوحيد الذي فلح الكاتب في رسمه بدقة متناهية هو تجهيز الميت ( جده) و ما يعقبه من طقوس من اجل اعادة الحياة الى طبيعتها العادية ؟إ . صراحة الكاتب بدا غريبا عن مدينة الجلفة التي أعرفها ؟إ .

 

و عودة ( ثانيا ) الى البناء الروائي : الروائي في فهمي المتواضع , أنه يشبه المهندس المعماري و الرواية تشبه ايضا المدينة ؟ و لبناء مدينة بكل تفاصيلها من مداخل و مخارج , و أحياء و ساحات عامة و مؤسسات حيث في النهاية كل هذه البناءات يجب أن تتم في تناسق و تزاوج و تحاور على أن يؤدي كل عنصر من عناصرها دوره المنوط به . و عملا بتجاربي القرائية للكثير من النصوص الروائية العالمية فأن ما استخلصته هو التالي : أن الروائي اذا تكلم في نصه عن الاقتصاد تكاد تقنع انه اقتصادي و درس الاقتصاد و اذا حدثك عن الطب يخيل لك انه طبيب و اذا قدم لك طباخا حسبته من امهر الطباخين و منه على الروائي أن يكون متعدد المشارب في الثقافة ؟. و انطلاقا دائما من النص الروائي موضوع قراءتنا الكاتب مثلا يتكلم عن حيوان الكبش و يقمعنا من معرفة ثقافة مربي الكبش ؟ و يحدثنا عن المقابر الثلاث و لا يحدثنا عن حياة امواتها و سييرهم الذاتية و الابداعية ؟ . ….الخ . وكما يقال مدينة عديمة المقابر مدينة عديمة الذاكرة و التاريخ ؟ فأين موقع الذاكرة و التاريخ لهؤلاء الأموات من نصه الروائي ؟… مدينة عرفت ثلاث ديانات ( يهودية و مسيحية و اسلامية ) و لا نقف على اثر من هذه الديانات بنصه الروائي ؟ . ومثل هذا الأداء في خوض تفاصيله الدقيقة و الجانبية يصطلح على تسميته بالنفس الروائي ؟إ. و عليه ماذا لو أن الروائي اشتغل على هذه التفاصيل ؟ الأكيد سنجسد أنفسنا أمام نص روائي ناضج و مدهش ؟.

أخيرا و ليس آخرا الكاتب اسماعيل يبرير مبدع و يحوز طاقة ابداعية تنتظر منه تفجيرها متى استطاع القضاء على الخوف الذي يسكنه من الداخل و رفع ستار الرقابة الذاتية على عدسة قلمه ؟ لنراه في عمل واعد يعكس بصدق ابداعه و تمنياتي له بالتوفيق في مشواره الروائي .

عن راضية ادهم

راضية ادهم
كاتبة عربية من الجزائر

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*