الرئيسية » السياسة » افاق خروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي.
ديفيد كاميرون
ديفيد كاميرون

افاق خروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي.

بقلم: شفيق ناظم الغبرا

تعكس نتيجة الاستفتاء الذي أخرج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي حالة عدم استقرار النظام الدولي كما نعرفه، وتؤكد قدوم مفاجآت في المنظومة العالمية لا تقل إن لم تكن تزيد عن الأزمة الاقتصادية العالمية للعام ٢٠٠٨. الانسحاب البريطاني فاجأ العالم، لكنه في الوقت نفسه انعكاس لنمو تيارات في المجتمعات الغربية والأوروبية تشعر بالضيق من نتائج الحدود المفتوحة في مجال العمل والعمالة، إنها بدرجة ما ردة فعل على سرعة خطوات الوحدة الأوروبية وجرس إنذار لها حول ضرورة إدخال تعديلات تعيد لها الحيوية والنشاط والتفاؤل. صعود اليمين الأوروبي والجماعات المحافظة والرافضة لحركة الأفراد والمهاجرين الجدد ضمن أوروبا ومن الشرق الأوسط يعكس تراجع المنظومة التي تأسست بعد الحرب الباردة والتي استندت إلى تفاؤل في نمو الطبقة الوسطى وتحسن أحوال الطبقات المتوسطة والشعبية.

في العقد الماضي، ضعفت الطبقات الوسطى وتراجعت بصورة واضحة في دول العالم المتقدم، وفي أوروبا ازداد الفقر، وتراكمت الثروات عند أقلية من الأثرياء والمستثمرين ممن ساعدتهم الإجراءات المفتوحة. كل هذا جعل العولمة تواجه مأزقاً شعبياً لدى الفئات الأضعف والخاسرة نتيجة العولمة وهو ما انعكس في بريطانيا بصورة واضحة.

لقد ارتبط قرار الانسحاب البريطاني بعوامل كثيرة، منها قرارات قادة الاتحاد الأوروبي غير المنتخبين، فالاتحاد الأوروبي منظمة عابرة للقارة الأوروبية، تأخذ قرارات ملزمة للدول وللشعوب. هذا الوضع أثر في بريطانيا وتقاليدها الديموقراطية، بل إن الكثير من قرارات المحاكم البريطانية نقض من جانب المحكمة الأوروبية الفيديرالية. كل ما في الأمر أن بريطانيا تمردت. بل إن الكثيرين من البريطانيين الذين صوتوا للانسحاب لاموا الاتحاد الأوروبي على زيادة البطالة وعلى مشكلة الهجرة غير الشرعية وأزمة اللاجئين المرتبطة بالعالم العربي. لقد حسم التصويت البريطاني المناطق الريفية والفئات الأقل تعليماً في بريطانيا، بينما صوتت شريحة الشباب والمتعلمين وأبناء وبنات المدن والكثير من رجال الأعمال للبقاء مع أوروبا.

خروج بريطانيا قد يغير التوازن الاقليمي الذي تم بناؤه في أعقاب الحرب العالمية الثانية بين ألمانيا وفرنسا والذي تلعب بريطانيا دوراً مهماً فيه. فأوروبا دخلت في حروب كارثية أهمها الحرب العالمية الأولى والثانية والتي أدت الى مقتل عشرات الملايين. الخروج البريطاني سيعني تغيراً في أسس التوازنات الأوروبية بين فرنسا وألمانيا، كما ان توازنات الشمال الأوروبي الأكثر تقدماً والأكثر إنتاجية تواجه مشكلات مع جنوب أوروبا الأقل تطوراً والأقل تنافسية والأكثر فقراً كاليونان والبرتغال. وهناك دول في قلب أوروبا أقرب الى بريطانيا منها الى فرنسا وألمانيا كالسويد وهولندا والدنمارك. بل هناك دور مهم لبريطانيا مع دول شرق أوروبا ضمن الاتحاد الأوروبي والتي قامت بريطانيا بالتشجيع على دخولها الاتحاد بالأساس. في المدى المنظور والمتوسط هناك تبدل في ميزان القوى الأوروبي لأن بريطانيا ستترك فراغاً في توازنات أوروبا، وهذا سيشكل بحد ذاته تحدياً للأوروبيين ولبريطانيا في الوقت نفسه، وسيؤثر في مكانة الاتحاد الأوروبي ومدى استعداد دول عدة وناخبين في دول أخرى للانسحاب من الاتحاد.

 

 

ويطرح الآن العديد من الأسئلة، فهل ستبقى فرنسا فعلاً أم ستبقى دول الاتحاد الأوروبي الأقوى في الاتحاد، فخروج بريطانيا تأكيد لعمق المشكلة التي تواجه الاتحاد الأوروبي. ففي فرنسا انتخابات في عام ٢٠١٧، وقد تسهم في صعود اليمين و «الجبهة الوطنية» المؤيدة للانسحاب. لكن هذا السؤال يقود الى أسئلة حول مدى قدرة الاتحاد الأوروبي على إصلاح أوضاعه والتعامل مع القضايا الصعبة التي أدت الى خروج بريطانيا بالأساس؟ وبإمكان بعض الدول الأوروبية الشمالية بالتحديد أن تفكر في تحالف ووحدة أوروبية خاصة بها.

الاستفتاء الشعبي الذي قلب الدنيا وغيّر الموازين لم يكن ملزماً للبرلمان البريطاني، لكن تجاهله كان سيعني تحويل بريطانيا، إن لم تحترم إرادة ٣٠ مليون ناخب شاركوا في التصويت، نحو مأزق سياسي وأمني، وهذا درس سبق للبريطانيين أن تعلموه عبر تاريخهم الطويل. بالمقابل لا يعني التصويت أن بريطانيا ستخرج اليوم من الاتحاد، أو أنها ستخرج فعلاً على كل صعيد. فهناك مهلة عامين من التفاوض تبقى أثناءها بريطانيا في الاتحاد الأوروبي. التفاوض هو الذي سيقرر مدى الخروج وطبيعة العلاقة القادمة التي نفترض أنها ستكون تفاعلية على كل الأصعدة. وستركز بريطانيا في المفاوضات مع أوروبا على استمرار تجارتها مع القارة، وذلك بحكم أن ٤٥ في المئة من الصادرات البريطانية للعالم تذهب الى أوروبا و٥٠ في المئة من الواردات تأتي من أوروبا. ونظراً لأخطار فقدان فرص كبرى للشركات البريطانية وللشباب البريطاني في أوروبا.

في عالمنا الكوني، ينفجر الشرق الأوسط بسبب مسائل تتعلق بالعدالة واللاعدالة، وتتفق الولايات المتحدة مع ايران حول ملفها النووي، وتتحول أوروبا المعتدلة نحو اليمين، ويبرز اليمين من خلال المرشح الرئاسي دونالد ترامب في الولايات المتحدة، وينتشر العنف في العالم بما يعكس ما يقع في العالم العربي. عالمنا الجديد في الزمن الراهن مبني على الصدمات والتحولات الناتجة من مظالم أساسها اقتصادي وسياسي واجتماعي وأخلاقي.

المفاجآت صفة من صفات المرحلة الكونية القادمة. لهذا لم يكن الربيع العربي عام ٢٠١١ ولا الحروب العربية الراهنة استثناء، بل جزءاً من وضع عربي محلي ووضع كوني أساسه المفاجآت والتحولات. في عالم مثل هذا لن يكون غريباً أن تنسحب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وأن تستقل اسكتلندا عن بريطانيا، ولا غرابة في أن تشعر لندن وعمدتها الجديد بالضيق من القرار البريطاني الشعبي بالانسحاب وذلك لطبيعة المصالح التي تربط لندن بالقارة الأوروبية. في عالمنا هذا، لا مخرج بلا تفكير عميق حول مكانة المال ورأس المال، حول العمل وطبيعته ودوره، حول العدالة بين الناس والحقوق والقيم. بلا سياسات جوهرها الإنسان وحقوقه في الغرب وفي الشرق، فالعالم سيستمر في أزمات دورية ما إن تهدأ حتى تبدأ أزمة دورية جديدة.

نقلا عن الحياة

عن Shafeeq Ghabra

Shafeeq Ghabra
A Professor of Political Science at Kuwait University who believes in DEMOCRACY & HUMAN RIGHTS. The events in the Arab World represent a Second Independence أستاذ العلوم السياسية في جامعة الكويت

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*