الرئيسية » منوعات » أمي العوده.. والبت جمالات
عبدالرحمن رفيع
عبدالرحمن رفيع

أمي العوده.. والبت جمالات

بقلم: د. فاطمة الشايجي 

كثيرة هي أبيات الشعر التي وصفت الحب وحال المحبين ،وشرحت حال العشق والغرام ،وصورت آلام الغدر والخيانة والشعور بالخذلان ، ويقابلها في الكم حب الأوطان والوالدين والولدان، والحسرة على الشباب والأصدقاء، ومقت الغربة والوحدة ومثلهم في التمني والآمال والطموح والسعادة بكل أشكالها، وجميعها لها حافظون ومحبون ومؤيدون ومرددون .
وقد يكون قديم الشعر أجمل من حديثه. ولا نعلم هل العيب فينا حيث افتقدنا تذوق الكلمات! أم العيب في الكلمات التي افتقدت التعبير عنا! أم العيب في افتقار من يكتب  لتذوق الكلمات فعجز عن نسجها وتركيبها وإطلاقها في الفضاء لتتلقفها الأرواح !
فكثرة الأبيات عن أحوال وأهوال الحب أفقدت الحب ذاته، أصبح الشعر متنفسا لكل من أصيب بقهر،أو جانبه قليل من السهر، أو من يعاني من حبيب غدر فهجر، أو من ينتظر عودة حبيبه من السفر. تحول الشعر من تذوق إلى متنفس فكبتوا شعراء اليوم إلا من رحم ربي على نَفَس الحب، وأصبحوا يتنافسون على الشهرة وهم يفتقدون للفكرة. تحول الشعر من رسالة هادفة إلى رسالة هابطة لا يحاكي واقعا، ولا يرسم خيالا جميلا، ولا يعالج علة، ولا يشفي معلولا ،ولا يخاطب العقول فلا يحفظ، ولا يكتب بلغة فلا يُعَرّب، ولم يصل للعامية فينشر.

هذه الأيام، الجميع متشابه ومتكرر، وهي كانت حالة نادرة في زمن مضى ليس ببعيد عنا ويمكن أن نعرض لشاعرين متشابهين ولكنه تشابه غريب، ولا نعلم هل هو نداء واستجابة ! أم أنه القدر ظهر لنا بشكل صدفة! أم أنه اتفاق لأرواح متشابهة! فكلاهما فارقا الحياة في يوم الثلاثاء من عام 2015، وإن اختلفا في الشهر إلا أن هناك تشابها كبيرا بينهما فيما قدمه كلاهما لمتابعيهم ومحبيهم. وكلاهما يصعب تقليدهما أو تكرارهما فوجودهما عالق في الأذهان، وقابع في الوجدان.

كانت العامية سبيلهما للإنسان العادي والمثقف ، فالعادي وجد من يتحدث معه وعنه، والمثقف أيقن أنه من الصعوبة اختيار العامية كطريقة للشعر فرحب بهما كثيرا وتفاخر بهما ، وكانت معالجتهما للأمور الحياتية سبيلهما للانتشار الخليجي والعربي، فهما طرقا أبواب المنازل بكلماتهما قبل أيديهما فوجدا نفسيهما يجلسان في كل بيت .

وكانت العفوية سبيلهما في أن يمتلكا العقول والقلوب في آن واحد فتبعهما وأحبهما الكثير،  الأمر الذي يحتاج لمجهود لأهل التضليل ليحصلوا على أغلبية. وكان الذكاء في الطرح السهل الممتنع سبيلهما في النقد الجميل. وكانت كلماتهما التي تسرد قصصا من الخيال لواقع سبيلهما لترسيخ تراث مجتمعيهما.

كان صدق المشاعر وجمال الإلقاء وتمثيل الكلمة سبيلهما للبقاء بعد الفناء. هما بالفعل توفيا وفارقا الحياة ولكنهما لا يزالان يتمتعان ببقاء في الذاكرة ولهما سطور في التاريخ لن تنسى.

إنهما عبدالرحمن رفيع الشاعر البحريني الذي تُوفي مساء الثلاثاء الموافق 10 مارس 2015  ومن قصائده «سوالف أمي العوده» ، وعبد الرحمن  الأبنودي  الشاعر المصري الذي توفي عصر الثلاثاء الموافق 21 ابريل 2015 ومن قصائده «البت جمالات»،كتبا في الحب والسياسة والاجتماع والمجتمع والعروبة والمرأة والطفل والمعلم والعلم. تنوعا في الكثير من أشعارهما باللغة العامية والفصيحة وتمكنا من طرح الكثير من القضايا بحب مرة، وبسخرية مرة أخرى، وبوطنية مرات.
شاعران من العالم العربي يجب أن يكونا قدوة للجميع ليس للتقليد، وإنما لترسيخ معطيات شعرهما في شعراء المستقبل. نسأل الله لهما الرحمة والمغفرة وان يسكنهما فسيح جناته.

عن فاطمة الشايجي

فاطمة الشايجي
دكتوراه في الفلسفة السياسية {كلٌ منا يعتبر أن حدود مجال رؤيته هي حدود العالم} صاحبة رأي واحترم الرأي الآخر

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*